سيد قطب
154
في ظلال القرآن
إن المؤمنين لا يحبون شيئا حبهم للّه . لا أنفسهم ولا سواهم . لا أشخاصا ولا اعتبارات ولا شارات ولا قيما من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس : « وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ » . . أشد حبا للّه ، حبا مطلقا من كل موازنة ، ومن كل قيد . أشد حبا للّه من كل حب يتجهون به إلى سواه . والتعبير هنا بالحب تعبير جميل ، فوق أنه تعبير صادق . فالصلة بين المؤمن الحق وبين اللّه هي صلة الحب . صلة الوشيجة القلبية ، والتجاذب الروحي . صلة المودة والقربى . صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود . « وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا - إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ - أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ . إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ . وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا : لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ! كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ » . . أولئك الذين اتخذوا من دون اللّه أندادا . فظلموا الحق ، وظلموا أنفسهم . . لو مدوا بأبصارهم إلى يوم يقفون بين يدي اللّه الواحد ! لو تطلعوا ببصائرهم إلى يوم يرون العذاب الذي ينتظر الظالمين ! لو يرون لرأوا « أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً » فلا شركاء ولا أنداد . . « وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ » . 166 - لو يرون إذ تبرأ المتبوعون من التابعين . ورأوا العذاب . فتقطعت بينهم الأواصر والعلاقات والأسباب ، وانشغل كل بنفسه تابعا كان أم متبوعا . وسقطت الرئاسات والقيادات التي كان المخدوعون يتبعونها ، وعجزت عن وقاية أنفسها فضلا على وقاية تابعيها . وظهرت حقيقة الألوهية الواحدة والقدرة الواحدة ، وكذب القيادات الضالة وضعفها وعجزها أمام اللّه وأمام العذاب . 167 - « وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا » . . وتبدى الحنق والغيظ من التابعين المخدوعين في القيادات الضالة . وتمنوا لو يردون لهم الجميل ! لو يعودون إلى الأرض فيتبرءوا من تبعيتهم لتلك القيادات العاجزة الضعيفة في حقيقتها ، التي خدعتهم ثم تبرأت منهم أمام العذاب ! إنه مشهد مؤثر : مشهد التبرؤ والتعادي والتخاصم بين التابعين والمتبوعين . بين المحبين والمحبوبين ! وهنا يجيء التعقيب الممض المؤلم : « كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ » . . 168 - بعد هذا يمضي السياق يدعو الناس إلى التمتع بطيبات الحياة ، والبعد عن خبائثها ، محذرا من اتباع الشيطان ، الذي يأمرهم بالخبائث ، والادعاء على اللّه في التحليل والتحريم بغير إذن منه ولا تشريع ؛ ويحذرهم من التقليد في شأن العقيدة بغير هدى من اللّه ، ويندد بالذين يدعون من دون اللّه ما لا يعقل ولا يسمع . . وبهذا يلتقي موضوع هذه الفقرة بموضوع الفقرة السابقة في السياق : « يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . وَإِذا قِيلَ لَهُمُ : اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا : بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا . أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ؟ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي